17 مايو 2026 (csrgulf): نحو 7 ألاف إلى 9 ألاف كيلومتر مربع تقريباً أضافتها إسرائيل لخارطتها منذ عملية طوفان الأقصى في 7 من أكتوبر 2023 إلى اليوم. حيث أنشأت إسرائيل مناطق نفوذ موسعة جديدة في الضفة الغربية، ومناطق عازلة تمتد على ثلي قطاع غزة، ومناطق سيطرة جديدة بجنوب لبنان، مع توسع داخل المنطقة العازلة السورية ومحيط الجولان.
هذه المساحة التي أصبحت تحت تصرف الإدارة الإسرائيلية بمبررات مختلفة كسيطرة عسكرية، ومناطق حظر، وأحزمة أمنية، أو نفوذ ميداني متفاوت على أراض جديدة، هناك مخاوف أن تضمها إسرائيل رسمياً يوما ما. وقد زاد القلق فعليا مع تسارع عمليات بناء المستوطنات في غفلة عن العالم المنشغل بحرب إيران وتداعياتها، وصولا إلى إقرار قوانين إسرائيلية جديدة تفضح نوايا الكيان الصهيوني أبزرها مشروع قانون إنشاء "سلطة تراث يهودا والسامرة" وهو قانون إسرائيلي جديد قد يمهد لضم الضفة وتهويدها.
منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، لم تعد إسرائيل تدير حروباً تقليدية قصيرة الأمد كما في السابق، بل انتقلت تدريجياً إلى استراتيجية جديدة تقوم على خلق "أحزمة أمنية عازلة" داخل أراض فلسطينية ولبنانية وسورية، في تحول يصفه محللون بأنه أخطر إعادة رسم جيوسياسي للمنطقة منذ عقود.
ومع امتداد المواجهة من غزة إلى جنوب لبنان ثم سوريا، وصولاً إلى التوترات المرتبطة بحرب إيران في 2026، بدأت الخارطة الميدانية تتغير فعلياً على الأرض، ليس عبر إعلانات ضم رسمية، بل عبر السيطرة العسكرية التدريجية، وتوسيع مناطق الحظر، وإفراغ مناطق حدودية كاملة من سكانها.
المنطقة الأمنية العازلة العقيدة الجديدة بعد صدمة 7 أكتوبر
الصدمة التي أحدثها هجوم "طوفان الأقصى" دفعت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى إعادة تقييم مفهوم الحدود التقليدية. ووفق تقارير نقلتها وكالة رويترز وتحليلات مراكز أبحاث غربية وإسرائيلية، خلصت تل أبيب إلى أن الحدود القائمة لم تعد كافية لحماية الداخل الإسرائيلي، وأن منع أي هجوم مستقبلي يتطلب السيطرة على “عمق أمني” داخل أراضي الخصوم أنفسهم.
هذا التحول أنتج سياسة جديدة تقوم على توسيع نطاق السيطرة العسكرية المباشرة، إنشاء مناطق يمنع السكان من العودة إليها، تدمير البنية التحتية القريبة من الحدود، وفرض وقائع ميدانية طويلة الأمد تحت غطاء الحرب.
ويقول مسؤولون إسرائيليون إن الهدف أمني وردعي، لكن منتقدين يعتبرون أن ما يحدث يتجاوز الردع نحو إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة.
غزة: من الحرب إلى "الخط الأصفر"
في قطاع غزة ظهر أوضح نموذج لهذه الاستراتيجية. فمع استمرار الحرب، أنشأت إسرائيل ما عُرف بـ"الخط الأصفر"، وهي منطقة عازلة واسعة تخضع لسيطرة عسكرية مباشرة أو غير مباشرة.
تقارير وكالة رويترز ووسائل إعلام أوروبية تحدثت عن أن إسرائيل أصبحت تسيطر بحلول 2026 على ما يقارب ثلثي مساحة غزة بشكل مباشر أو عبر مناطق عسكرية مغلقة وممرات أمنية. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه صرح متفاخرا بالسيطرة على أكثر من 60% من أراضي غزة سيطرة مباشرة. كما كشفت خرائط إسرائيلية جديدة عن توسيع إضافي لهذه المناطق خلال 2026.
في هذه المناطق مُنع مئات آلاف الفلسطينيين من العودة، جرى تدمير أحياء كاملة وبنية تحتية واسعة، وتحولت مناطق حدودية إلى مساحات خالية تقريباً من السكان.
ويرى محللون أن إسرائيل تسعى لتحويل أجزاء من غزة إلى "حزام أمني دائم" يمنع أي اقتراب عسكري مستقبلي من حدودها الجنوبية.
الضفة الغربية: التوسع الاستيطاني تحت غطاء الحرب
بالتوازي مع حرب غزة، شهدت الضفة الغربية أكبر موجة توسع استيطاني منذ سنوات، مستفيدة من انشغال العالم بالحرب.
وتحدثت تقارير متعددة عن تسريع المصادقة على مستوطنات جديدة، توسيع البؤر الاستيطانية، تشديد السيطرة العسكرية، وزيادة عمليات هدم المنازل والتهجير.
كما تصاعد خطاب داخل اليمين الإسرائيلي يدعو صراحة إلى فرض "السيادة الكاملة" على أجزاء واسعة من الضفة، وربط بعض الوزراء بين الحرب الحالية ومشروع "إسرائيل الكبرى".
ورغم أن الحكومة الإسرائيلية تصف الإجراءات بأنها ضرورات أمنية مرتبطة بمنع الهجمات، فإن منتقدين يرون أنها تستغل أجواء الحرب لتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي تدريجياً.
جنوب لبنان: العودة إلى فكرة "الحزام الأمني"
في لبنان، استعادت إسرائيل عملياً نموذج "الحزام الأمني" الذي كان قائماً قبل انسحابها عام 2000. فبعد المواجهات الواسعة مع حزب الله، بدأت إسرائيل خلال 2026 إنشاء منطقة عازلة تمتد في بعض المناطق حتى عدة كيلومترات داخل الجنوب اللبناني، مع تدمير قرى حدودية واسعة ومنع السكان من العودة.
تقارير صحفية تحدثت عن تهجير أكثر من مليون لبناني، تدمير عشرات القرى الحدودية، فرض "خط أصفر" جديد داخل الجنوب اللبناني، وتحويل مناطق كاملة إلى مناطق شبه خالية من السكان.
كما ظهرت تصريحات إسرائيلية تتحدث عن ضرورة إبقاء حزب الله بعيداً عن الحدود حتى نهر الليطاني، وهو ما أثار مخاوف لبنانية ودولية من تحول "المنطقة الأمنية المؤقتة" إلى واقع دائم.
سوريا: توغل تدريجي بعد انهيار الردع السوري
في الجنوب السوري، توسعت التحركات الإسرائيلية بشكل ملحوظ منذ أواخر 2024، خصوصاً في القنيطرة ودرعا ومحيط جبل الشيخ. وتحدثت تقارير عن توغلات شبه يومية، إقامة نقاط مراقبة وحواجز، عمليات تجريف وخنادق وسيطرة على مناطق إضافية قرب الجولان المحتل.
وترى إسرائيل أن انهيار النفوذ الإيراني في بعض المناطق السورية وتراجع قدرات الدولة السورية خلقا فرصة لإقامة “عمق أمني” جديد يمنع اقتراب الفصائل المسلحة أو القوات المدعومة من إيران من حدود الجولان.
لكن مراقبين يعتبرون أن هذه التحركات تتجاوز البعد الأمني نحو تكريس وقائع جغرافية يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
حرب إيران سرعت التحول
مع تصاعد التوتر الإقليمي المرتبط بإيران في 2026، ازدادت القناعة داخل إسرائيل بأن البلاد دخلت ما يسميه بعض المحللين “حرباً دائمة منخفضة الحدة” على عدة جبهات. وبحسب تحليلات نقلتها رويترز ووسائل إعلام إسرائيلية، فإن تل أبيب باتت ترى أن الردع التقليدي لم يعد كافياً، وأن أفضل وسيلة للحماية هي إبعاد الخصوم جغرافياً، السيطرة على مناطق حدودية أوسع، وفرض وجود عسكري طويل الأمد خارج الحدود الرسمية.
بين الأمن والتوسع: الجدل الأكبر
إسرائيل تؤكد أن كل ما تفعله يندرج ضمن "الدفاع الوقائي" ومنع تكرار هجمات مشابهة لـ7 أكتوبر. لكن خصومها ومنظمات حقوقية وعدداً من المحللين يرون أن مفهوم "المنطقة العازلة" تحول تدريجياً إلى أداة لتوسيع النفوذ الجغرافي وإعادة رسم الحدود الفعلية للمنطقة تحت غطاء الحرب المستمرة. وهنا يكمن السؤال الأخطر، هل ما يحدث مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة فرضتها الحرب، أم أن الشرق الأوسط يشهد فعلياً إعادة تشكيل للخارطة الميدانية الإسرائيلية للمرة الأولى منذ عقود؟
2026 © مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث CSRGULF
المراحع:













