تدخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مرحلة انتقالية غير مسبوقة بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في ضربة أميركية–إسرائيلية داخل طهران. وبينما تُفعَّل الآليات الدستورية لمنع الفراغ، بات سؤال الخلافة هو المحدِّد الأول لمسار الاستقرار الداخلي واتجاهات التصعيد الإقليمي. حيث من المرجح أن يكون اختيار المرشد الجديد محكوماً بميزان القوة داخل الدولة العميقة، حيث تتقدم الاعتبارات الأمنية على المعايير الفقهية التقليدية.
قال رئيس الأمن الإيراني علي لاريجاني إن تغيير القيادة سيبدأ يوم الأحد بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. وقال لاريجاني رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، أعلى وكالة أمنية في إيران، إنه “سيتم تشكيل مجلس قيادة مؤقت قريبا. وسيتولى رئيس البلاد مسعود بزكشيان ورئيس السلطة القضائية وأحد القانونيين من مجلس صيانة الدستور مهامهم حتى يتم انتخاب المرشد القادم.
من الناحية الدستورية، لا يترك النظام الإيراني منصب المرشد للفراغ. ينص الدستور على آلية فورية تُفعَّل عند شغور المنصب، تقوم على تشكيل مجلس قيادة مؤقت يتولى الصلاحيات العليا إلى حين اختيار مرشد جديد. هذا المجلس يضم رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وفقيهاً من مجلس صيانة الدستور، ويُفترض أن يعمل تحت مظلة توافق أمني صارم يضمن استمرارية الدولة ومنع أي تصدع في مراكز القرار.
الحسم النهائي يبقى بيد مجلس خبراء القيادة، وهو هيئة دينية – سياسية تضم 88 عضواً من كبار الفقهاء. المجلس هو الجهة الوحيدة المخولة دستورياً بتعيين المرشد أو إقرار خيار بديل يتمثل في مجلس قيادة دائم. تجارب سابقة، أبرزها انتقال السلطة عام 1989، تُظهر أن المجلس قادر على اتخاذ قرار سريع خلال أيام قليلة عندما تتوفر إرادة سياسية جامعة داخل النظام.
غير أن النصوص الدستورية وحدها لا تفسر ميزان القوة الحقيقي. فالدور الحاسم في هذه المرحلة يعود إلى الحرس الثوري الإيراني، الذي يمثل العمود الفقري للأمن والسياسة والاقتصاد في إيران. الحرس لا يملك صفة دستورية في اختيار المرشد، لكنه يمتلك القدرة الفعلية على ترجيح كفة أي مرشح يضمن استمرار النظام، ويحافظ على شبكة النفوذ العسكرية والاقتصادية التي توسعت خلال العقدين الماضيين.
في هذا السياق، تتداول الأوساط السياسية والأكاديمية عدة سيناريوهات للخلافة. السيناريو الأول يتمثل في اختيار مرشد واحد ذي خلفية دينية محافظة وولاء مؤكد للمؤسسة الأمنية، بما يضمن انتقالاً سلساً دون تعديل في بنية الحكم. السيناريو الثاني هو إنشاء مجلس قيادة جماعي كحل توافقي مؤقت أو دائم، يقلل من مخاطر تركيز السلطة في لحظة اضطراب استثنائية. أما السيناريو الثالث، وهو الأضعف حتى الآن، فيفترض صراعاً داخلياً داخل النخبة، وهو ما تسعى المؤسسة الأمنية إلى منعه بكل الوسائل.
إقليمياً ودولياً، يُنظر إلى اغتيال المرشد على أنه تحول استراتيجي بالغ الخطورة، لكنه لا يعني بالضرورة انهيار النظام. التجربة الإيرانية تشير إلى قدرة عالية على امتصاص الصدمات الكبرى وتحويلها إلى أدوات تعبئة داخلية. وعليه، فإن ما سيحكم إيران في المرحلة المقبلة لن يكون شخص المرشد الجديد فقط، بل طبيعة التوازن بين المؤسسة الدينية والأمنية، وحدود الرد الإيراني على الضربة التي أطاحت بأعلى هرم السلطة.
نجل المرشد أبرز المرشحين لخلافته
في هذا السياق، تبرز أسماء عدة كمرشحين محتملين للخلافة، تتقاطع جميعها عند الولاء المؤسسي والاصطفاف المحافظ. يأتي مجتبى خامنئي في الصدارة، بوصفه شخصية نافذة داخل المنظومة، يتمتع بعلاقات وثيقة مع الحرس الثوري والباسيج، وتلقى تكوينه الديني في حوزة قم. يبلغ 56 عاماً، ويواجه انتقادات داخلية تتعلق بشبهة “التوريث السياسي”. وقد فرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية عقوبات عام 2019، معتبرةً أنه فُوِّض بملفات حساسة وعمل على تعزيز النفوذ الإقليمي والسيطرة الداخلية.
إلى جانب ذلك، يبرز علي رضا أعرافي (مواليد 1959)، إمام جمعة قم ومدير الحوزات العلمية وعضو مجلس صيانة الدستور. صعد أعرافي عبر مناصب تعليمية ودينية، ويتبنى توجهاً استراتيجياً “شرقياً” يعزز الشراكات مع روسيا والصين، ما يمنحه قبولاً لدى دوائر القرار الساعية لتحصين إيران خارج الفضاء الغربي.
كما يُطرح محمد مهدي مير باقري (مواليد 1961)، رئيس أكاديمية العلوم الإسلامية في قم وعضو مجلس خبراء القيادة، كخيار مدعوم من تيارات “ثورية متشددة”. يُعرف برفضه أي تسويات مع الغرب ودعوته لتشديد القيود الدينية والاجتماعية، ما يجعله مرشحاً انسجامياً مع سيناريو تشدد ما بعد الاغتيال.
ويظهر أيضاً أحمد حسيني خراساني (مواليد 1959)، عضو مجلس صيانة الدستور وممثل خراسان رضوي في مجلس خبراء القيادة، وأحد أبرز المدافعين عن الحرس الثوري. يتبنى خطاباً معادياً للغرب، مع طرحٍ يزاوج بين “الاقتدار الدبلوماسي” والتمكين الداخلي، وقد انضم إلى مجلس صيانة الدستور بقرار من خامنئي عام 2021.
أما حسن عاملي (مواليد 1962)، إمام جمعة أردبيل وممثلها في مجلس خبراء القيادة، فينتمي إلى التيار الأصولي المتشدد ويتمتع بنفوذ محلي معتبر، ويُنظر إليه كجزء من كتلة دينية محافظة قد تدعم خياراً تشددياً جماعياً.
بالتوازي، تُشير تقارير استخباراتية نقلتها وكالة رويترز إلى تقدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بأن الخلافة – إن تمّت – ستؤول على الأرجح إلى شخصيات متشددة مرتبطة بالحرس الثوري، بما يعكس اتجاهاً لتعزيز القبضة الأمنية لا تهدئتها، في ظل بيئة إقليمية متوترة.
وعلى صعيد إدارة المرحلة الانتقالية، تفيد تقارير متقاطعة، بينها ما نشرته نيويورك تايمز، بأن علي لاريجاني عُيّن مسبقاً مسؤولاً مؤقتاً لإدارة شؤون النظام تحسباً لسيناريو الاغتيال. ورغم افتقاره للصفة الدينية التي تؤهله لخلافة المرشد، فإن لاريجاني—السياسي المخضرم والقائد السابق في الحرس الثوري ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي—يُدير عملياً ملفات حساسة منذ فترة، من قمع الاحتجاجات، إلى التنسيق مع روسيا وشركاء إقليميين، والإشراف على المسار النووي. وتشير المعطيات إلى أن صعوده أسهم في تهميش الرئيس الحالي، بما يعكس مركزية الدور الأمني في الحكم.
استنتاج:
تؤكد الوقائع أن اغتيال المرشد لا يعني فراغاً في السلطة، بل إعادة ترتيب سريعة داخل النخبة، مع ترجيح كفة تعاظم نفوذ الحرس الثوري. الخيار الأقرب هو قيادة انتقالية تُدار أمنياً، تفضي إلى مرشد يضمن استمرارية النظام وقدرته على الردع، أو إلى صيغة جماعية تقلل المخاطر في لحظة صدمة كبرى.
2026 © مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث CSRGULF
المراحع:















