لماذا إيران ليست فنزويلا ولماذا قد يفشل أي تدخل أجنبي؟

حملة أميركية وإسرائيلية لشيطنة النظام الإيراني واستشراف مابعده بالترويج لنجل الشاه كقائد جديد

0
تشارك
60
مشاهدة
Share on Facebook Share on Twitter

تقدير موقف: تستثمر أميركا واسرائيل بقوة على منصات التواصل الاجتماعي في دعم الرسائل التحريضية لتأجيج وتضخيم الاحتجاجات الشعبية في إيران. وصل الأمر لحد تكرر تدخل الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب محذرا ايران من امكانية التدخل العسكري الأميركي اذا تم قمع المحتجين ليبرز الهدف جلياً وواضحاً. 

رغبة علنية في خلق الفوضى وتوفير ظروف الاطاحة بالنظام كما دعى لذلك صراحة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. تقارير ترجح تحرك عشرات الجواسيس والعملاء على الميدان في الداحل الايراني والاندساس مع المحتجين. المهمة التحريض والتجسس والتخريب والأخطر الدعم اللوجيستي الاستباقي لفرضية التدخل الخارجي عبر مد الاستخبارات الأميركية والموساد الإسرائيلي بمعلومات واحداثيات لشخصيات ومواقع حساسة.

الموساد الاسرائيلي بنفسه اعترف بدعم الاحتجاجات ومحاولة التأثير على مطالبها كاثارة عودة رضا بهلوي الثاني نجل الشاه الذي أطاحته الثورة الايرانية والترويج له كمطلب شعبي خاصة في وسائل الإعلام الأجنبية. والمفارقة أن إسرائيل بدعم مباشر من نتنتياهو يبدو أنها وفرت كل الدعم المالي والتكنولوجي الفائق لتسهيل مهام التجسس عن بعد أو عبر عملاء الموساد والمهمة الرئيسية الموكلة: رصد تحركات الشخصيات القيادية ومراقبة المؤسسات الحساسة. وكل ما احتدمت الفوضى تمكن الجواسيس من التحرك بسرعة وهو ما يمثل خطرا حقيقياً على الأمن القومي الايراني في الأيام المقبلة. حيث يبدو أن خطة كاملة الأركان وضعت لمرحلة ما بعد النظام الايراني الحالي بتدبير كامل من اسرائيل ودعم أميركي.

لكن ما يصدم اسرائيل وأميركا أنه رغم التحريض ورغم تصاعد وتيرة الاحتجاجات، شعارات المحتجين بقيت أغلبها مطالب اقتصادية واجتماعية ويجمعها تحسين ظروف العيش المتدهورة بسبب تداعيات العقوبات والضربة الاسرائيلية الأميركية الأخيرة. لكن لا يعني أن شعارات أخرى رصدتها وكالات عالمية تطالب بتغيير جذري وعميق.

الشعارات السياسية أيضاً اختلفت عن مطالب احتجاجات سابقة بلغ سقفها للدعوة لاسقاط النظام. بل ركزت أغلبها بحسب رصد مطالب جمهور المحتجين وأغلبهم  من الجيل Z على رغبة التغيير السلمي وليس هناك تأييد للفوضى في دلالة على  ترابط قوي لجزء من الشعب مع قيادته السياسية رغم اختلافاته مع سياساتها وأولوياتاها ورموزها. حيث أبرز الشعب الإيراني أن يرفض التغيير المفروض بإملاءات خارجية تدعوى للفوضى الخلاقة.

وهو ما يمثل انتكاسة أولى لكل من الرئيس ترمب وعراب خطة الفوضى في إيران رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي كان اعترف سابقاً أن حرب اسرائيل على إيران صيف العام الماضي وان توقفت بضغط أميركي إلا أنها لم تكمل مهمتها الأساسية. واليوم إسرائيل تستغل زخم نشوة انتصار ترمب المزعوم في فنزويلا باعتقاله رئيسها نيكولاس مادورو لاخضاع بلاده وادارتها كما يحلو لأميركا وفق تصريح ترمب الذي يبدو عليه توهج جنون العظمة وهو ما استثمره  جيداً نتنياهو ليدفع بأميركا لتكرار نفس السيناريو الفنزويلي في إيران التي تأبى الخضوع أيضا للهيمنة الأميركية.

امكانية تكرار تحييد القيادة الإيرانية كما فعلت في فنزويلا تبقىة واردة بعد التحذير الأميركي الأخير رغم تصريح ترمب برغبة طهران في التفاوض وعقد صفقة، لكن كل السيناريوهات باتت مطروحة. فقد يكون ترمب يرغب في التفاوض مع طرف بعينه قد لا يكون هو من يمسك الآن بزمام السلطة. حيث قد تعتمد استرايتيجة أميركا على عملية خاطفة تقوم بتغيير مدروس دون التسبب بانهيار النظام برمته، كما فعلت في فنزويلا. أي ازاحة الرموز القوية الرافضة للخضوع لارادة ترمب وتبديلها بوجوه جديدة أكثر براغماتية. ليحعل مصير تطور الأزمة في إيران غامضا جدا ويحمل تداعيات خطيرة. كسابقة ان وقعت تكون الأولى في تاريخ العلاقات الدولية أن تتدخل دولة عظمى في وقت وجيز وتخرق القانون الدولي وتغير أنظمة دول ذات سيادة وفق مصالحها. وهو ما حذرت من أوروبا وخاصة ألمانيا التي تخشى عواقب انهيار النظام العالمي الذي بني بعد الحرب العالمية الثانية.

كما أن التدخل الأميركي قد يعطي أفضلية لاسرائيل لترويج الفوضى بالمنطقة. فدعمها الاحتجاجات بإيران وشيطنة النظام أمام شعبه من يضمن أنها سابقة لن تتكرر في دول أخرى مستقبلا.

ولكن جزء من الشعب الإيراني رغم طوقة للتغيير يأبى الاذعان للرسائل التحريضية الأجنبية والانسياق ورائها وهو ما تثبته مسارات التحركات الشعبية الغاضبة الى اليوم. حيث أثبت الايرانيون أنهم غير معنيين بالتحريض الأميركي والاسرائيلي ومشكلتهم ليست في تغيير النظام بالقوة بل اصلاحه، وهو ما يزعج الأميركيين والاسرائيليين الذي باتوا على الملأ يتحججون بقمع المحتجين للتدخل ميدانيا في إيران مرة أخرى. احتمال أصبح الإيرانيون لا يستبعدونه ويحذرون منه.

 النتيجية أنه منذ العملية الأميركية التي أفضت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع يناير 2026، ساد في الأوساط السياسية والإعلامية سؤال مركزي: هل يمكن تكرار “السيناريو الفنزويلي” في دول أخرى تعاني أزمات داخلية، وعلى رأسها إيران؟
غير أن المقارنة، رغم جاذبيتها الإعلامية، تبدو مضلِّلة استراتيجيا. فإيران ليست فنزويلا، لا من حيث البنية السياسية، ولا من حيث الثقافة الشعبية، ولا من حيث توازنات القوة الإقليمية والدولية. والأهم أن أي تدخل خارجي مباشر أو غير مباشر قد لا يؤدي فقط إلى الفشل، بل إلى نتائج عكسية تعزز تماسك الداخل بدل تفكيكه.

 ثقافة سياسية تشكّلت ضد التدخل الخارجي

أحد الفوارق الجوهرية بين إيران وفنزويلا يتمثل في الثقافة السياسية الشعبية. فالأجيال الإيرانية، منذ ثورة 1979، نشأت على خطاب رسمي وتعليمي وإعلامي يُجرّم الاستعانة بالقوى الخارجية، وخصوصًا الولايات المتحدة وإسرائيل، ويصوّرها كقوى تسعى تاريخيًا إلى الهيمنة ونهب الموارد وإسقاط الأنظمة غير المطيعة.
هذا الخطاب لم يبقَ حكرًا على الدولة، بل تسرب إلى الوعي الجمعي، حتى لدى فئات معارضة للنظام. فالمفارقة الإيرانية أن شريحة واسعة من المحتجين، رغم غضبها من الأوضاع المعيشية والسياسية، ترفض علنًا أي تدخل أجنبي وتعتبره تهديدًا للسيادة الوطنية. في هذا السياق، يصبح أي رهان خارجي على “الشارع الإيراني” رهانًا محفوفًا بسوء التقدير.

 الأزمة داخلية ليست قابلة للاستيراد

الأزمة الإيرانية الراهنة هي في جوهرها أزمة داخلية مركّبة: اقتصاد منهك بالعقوبات، تضخم مرتفع، تراجع العملة، فجوة اجتماعية متسعة، وإحباط متزايد لدى جيل الشباب، خصوصًا جيل Z.
لكن هذه الأزمة، على حدّ تعبير عدد من المحللين الإيرانيين، لم تصل إلى مستوى الانهيار المؤسسي أو تفكك الدولة. بخلاف فنزويلا، لا تزال مؤسسات الدولة الإيرانية تعمل، والأجهزة الأمنية والعسكرية متماسكة، والنظام السياسي يملك آليات احتواء، حتى وإن كانت مكلفة سياسيًا واجتماعيًا.

 إدارة الغضب الشعبي: بين الأمن والتكنولوجيا

في مواجهة تصاعد الاحتجاجات، لجأت الحكومة الإيرانية إلى أدوات تقليدية وحديثة في آن واحد. من أبرز هذه الأدوات قطع الإنترنت أو تقييده جزئيًا في فترات الذروة الاحتجاجية.
السلطات ترى في هذا الإجراء وسيلة لاحتواء الفوضى ومنع التنسيق السريع بين المحتجين، خاصة عبر منصات التواصل. غير أن هذا القرار تحوّل إلى سلاح ذي حدين. فمن جهة، يحدّ فعليًا من قدرة التنظيم اللحظي، لكنه من جهة أخرى يغذي السخط الشعبي ويمنح خصوم إيران الخارجيين مادة دعائية خصبة.

الولايات المتحدة وإسرائيل، وفق الرواية الإيرانية الرسمية، تستغلان هذه القيود لتأجيج مشاعر جيل Z، عبر تصوير النظام كعدو للحرية الرقمية، وربط الاحتجاجات بخطاب عالمي عن “الحقوق والحريات”. ومع ذلك، لم ينجح هذا الاستغلال حتى الآن في تحويل الاحتجاجات إلى حركة جامعة عابرة لكل الفئات الاجتماعية.

 أخطاء الحكومة: حين يتحول الأمن إلى عبء

تعترف دوائر داخل النظام الإيراني بأن المقاربة الأمنية الصرفة في إدارة الأزمة كانت من بين أبرز الأخطاء. الاعتماد المفرط على الردع، والاعتقالات الواسعة، والتضييق الإعلامي، ساهم في تعميق فجوة الثقة بين الدولة وشرائح من المجتمع، خصوصًا الشباب والطبقة الوسطى الحضرية.
كما أن البطء في تقديم حلول اقتصادية ملموسة، والاكتفاء بخطاب الصمود والمواجهة، جعل كثيرين يشعرون بأن الدولة لا تسمع نبض الشارع بما يكفي.

 إدراك في قمة الهرم: الردع وحده لا يكفي

اللافت في المرحلة الأخيرة هو إقرار غير مباشر من أعلى هرم السلطة بأن الحل الأمني وحده لن يكون رادعًا أو مستدامًا. المرشد الأعلى، وفق تسريبات وتحليلات متقاطعة، بات مقتنعًا بأن استمرار الاحتقان دون أفق اقتصادي واجتماعي قد يستنزف النظام على المدى الطويل، حتى من دون تدخل خارجي.
هذا الإدراك دفع إلى نقاشات داخل النخبة الحاكمة حول ضرورة إعادة ترتيب الأولويات: تخفيف القبضة الأمنية تدريجيًا، وفتح مساحات اقتصادية أوسع، وتحسين شروط الحياة اليومية للمواطن.

 الحلول المطروحة: مزيج من الواقعية والبراغماتية

الحلول التي تُناقش داخل إيران اليوم لا تنطلق من تغيير جذري للنظام، بل من محاولة إنقاذه عبر إصلاحات محسوبة. في مقدمتها: إجراءات اقتصادية تخفيفية، تشمل دعم العملة، وضبط الأسعار، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، مقاربات سياسية أكثر براغماتية في السياسة الخارجية، تهدف إلى تقليل حدة العقوبات أو الالتفاف عليها بذكاء اقتصادي، دون تقديم تنازلات سيادية كبرى، وإعادة تعريف العلاقة مع الشباب، خصوصًا جيل Z، عبر خطاب أقل أيديولوجية وأكثر ارتباطًا بفرص العمل، والعدالة الاجتماعية، والمستقبل.

 

 

2026 © مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث CSRGULF

المراحع:

 

(Visited 60 times )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث

صالح أحمد عاشور


تصنيف العربيات الأكثر عنوسة في 2021

تصنيف العربيات الأكثر عنوسة في 2021

–         وباء كورونا يفاقم نسبة العنوسة والعزوبية بين العرب –         العنوسة تلتهم ملايين العربيات &ndas ...

طموح السعودية يقلب موازين الشرق الأوسط التاريخية

طموح السعودية يقلب موازين الشرق الأوسط التاريخية

الكويت، 2 أكتوبر 2023 (csrgulf): بوتيرة أسرع من التوقعات، تتغير المملكة العربية السعودية برمتها. لعقود ارتبطت سمعة المملكة بإنتاج وبيع النفط فضلاً عن رمزيتها التاريخية كوجهة للسياحة الدينية. لكن في ...

حقوق المرأة الكويتية: الفجوة تتسع مع الرجل

حقوق المرأة الكويتية: الفجوة تتسع مع الرجل

الكويت، 30 مارس 2024 (csrgulf): المرأة الكويتية واحدة من بين أكثر النساء في العالم لا تحصل على حقوق متكافئة مع الرجل خاصة على مستوى الزواج والطلاق وحضانة الأطفال وغيرها من الحقوق في مجالات قانوني ...

تونس تستمر أكثر بلد ديمقراطي في العالم العربي رغم التحديات

تونس تستمر أكثر بلد ديمقراطي في العالم العربي رغم التحديات

الكويت، 26 يونيو 2023 (csrgulf): يستمر تصنيف تونس كأكثر بلد ديمقراطي وحر في العالم العربي رغم التحديات والصعاب. هذا التصنيف دعمته مؤشرات كثيرة أبرزها ارتفاع مؤشر المحاسبة وانفاذ القانون وتراجع الإفل ...

الكويتيون رابع أكثر الشعوب العربية أماناً لعام 2023

الكويتيون رابع أكثر الشعوب العربية أماناً لعام 2023

الكويت 01 مارس 2023 (csrgulf): تراجع ترتيب الكويتيين في تصنيف أكثر الشعوب العربية أماناً هذا العام الى المرتبة الرابعة بعد أن كان ترتيبهم في المرتبة الثالثة في تصنيف العام الماضي. لكن تبقى الكويت مص ...