ملخص تنفيذي
تدخل إيران عام 2026 وهي تواجه واحدة من أعقد وأخطر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تاريخها الحديث. فالتدهور السريع في قيمة العملة الوطنية، والارتفاع الحاد في معدلات التضخم، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، لم تعد مجرد مؤشرات اقتصادية جامدة، بل تحولت إلى وقود مباشر لغضب شعبي متصاعد يضغط بقوة على بنية النظام السياسي والاجتماعي. ما تشهده البلاد اليوم ليس أزمة دورية عابرة، بل حالة تراكمية من الاختلالات البنيوية التي انفجرت دفعة واحدة في وجه الشارع والدولة معاً.
هذا الملخص الذي أعده مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث CSRGULF يقدّم قراءة تحليلية معمقة للأزمة الإيرانية من منظور اقتصادي-اجتماعي، مع التركيز على جذور الغلاء، انهيار الريال، وتداعيات ذلك على الاستقرار الداخلي، إضافة إلى استشراف السيناريوهات المحتملة خلال الفترة 2026–2027.
1- الاقتصاد الإيراني عند نقطة الانكسار
على مدى سنوات، ظل الاقتصاد الإيراني يعمل تحت ضغط العقوبات، لكنه حافظ على قدر من التوازن النسبي بفضل عائدات النفط، والدعم الحكومي الواسع، وضبط الأسعار. غير أن هذا التوازن بدأ ينهار بشكل متسارع منذ 2024، قبل أن يصل إلى مرحلة حرجة في نهاية 2025 وبداية 2026.
الريال الإيراني سجل انهياراً غير مسبوق، متجاوزاً عتبة 1.4 مليون ريال مقابل الدولار في السوق غير الرسمية، مقارنة بنحو 55 ألف ريال فقط عام 2018. هذا الانهيار لم يكن مجرد رقم في سوق الصرف، بل ترجم فوراً إلى موجة غلاء شاملة طالت الغذاء، النقل، السكن، والطاقة، في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد أو المدخلات المستوردة.
التضخم السنوي، الذي اقترب من 50% وفق تقديرات مؤسسات دولية، جعل الأسعار تتضاعف تقريباً خلال فترة قصيرة، في وقت بقيت فيه الأجور شبه مجمدة، ما أدى إلى تآكل حاد في الدخل الحقيقي للأسر، خصوصاً في الطبقات الوسطى والدنيا.
في هذا السياق، تشير تقديرات البنك الدولي إلى دخول الاقتصاد الإيراني مرحلة ركود حاد، مع انكماش متوقع خلال 2025 و2026، نتيجة تراجع الصادرات النفطية، ضعف الاستثمار، واستمرار العزلة المالية.
2- الغلاء كعامل تفجير اجتماعي
لم يعد الغلاء في إيران قضية اقتصادية تقنية، بل أصبح مسألة يومية تمس القدرة على البقاء. أسعار السلع الأساسية، من الخبز إلى الوقود، ارتفعت بوتيرة أسرع من قدرة الدولة على التدخل أو الدعم. ومع تقلص الدعم الحكومي بفعل العجز المالي، وجدت ملايين الأسر نفسها أمام معادلة قاسية: دخل ثابت مقابل أسعار متحركة صعوداً بلا سقف.
تقديرات غير رسمية تشير إلى أن أكثر من 40 مليون إيراني باتوا يعيشون عند خط الفقر أو دونه، وهو رقم يعكس عمق الأزمة واتساعها اجتماعياً. هذه الضغوط دفعت شرائح كانت تاريخياً بعيدة عن الاحتجاج، مثل التجار في الأسواق التقليدية، إلى إغلاق محالهم والخروج إلى الشارع، في مؤشر خطير على اتساع دائرة الغضب.
3- البطالة والشباب… قنبلة موقوتة
رغم شح البيانات الرسمية الحديثة، فإن المؤشرات المتاحة تؤكد أن البطالة، خصوصاً بين الشباب وحملة الشهادات، تشكل أحد أخطر عناصر الأزمة. نسب بطالة الشباب التي تجاوزت في فترات سابقة 19%، مرشحة للارتفاع في ظل انكماش الاقتصاد وتراجع قدرة القطاع الخاص على التوظيف.
هذا الواقع يفسر جزئياً دخول الجامعات على خط الاحتجاجات، حيث تحولت المؤسسات التعليمية من فضاءات أكاديمية إلى منصات احتجاج سياسي واجتماعي، تعكس انسداد الأفق أمام جيل كامل يشعر بأن مستقبله يُستنزف اقتصادياً قبل أن يبدأ.
4- الدولة بين التهدئة والضبط الأمني
في مواجهة هذا المشهد، حاولت السلطات الإيرانية الجمع بين خطاب التهدئة والإجراءات الاحترازية. إغلاق البنوك، المدارس، والجامعات في عدد من المدن، رُوّج له رسمياً كإجراء لتوفير الطاقة، لكنه عكس عملياً محاولة لتخفيف الاحتكاك في الشارع، وضبط السيولة النقدية في ظل اندفاع المواطنين لسحب مدخراتهم.
سياسياً، أطلق المسؤولون رسائل مزدوجة: وعود بإصلاحات ضريبية مؤقتة ودعم محدود للشركات، يقابلها تحذير واضح من تحويل الاحتجاجات الاقتصادية إلى ما تصفه الدولة بـ«الفوضى» أو «الاختراق الخارجي».
5- سيناريوهات محتملة
إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون تغيير جوهري في السياسات الاقتصادية أو في البيئة الخارجية، فإن إيران تقف أمام ثلاثة مسارات محتملة. الأول يتمثل في احتواء محدود للغضب عبر إجراءات دعم مؤقتة دون معالجة جذرية، ما يعني بقاء التوتر كامناً. الثاني هو تصاعد الاحتجاجات واتساعها جغرافياً وطبقياً، بما يفرض ضغوطاً سياسية غير مسبوقة. أما السيناريو الثالث، والأكثر تعقيداً، فيتمثل في انفراج نسبي مرتبط بتخفيف العقوبات أو تدفقات مالية خارجية، وهو احتمال يبقى ضعيفاً في المدى القصير.
استنتاج
ما يحدث في إيران اليوم هو أكثر من أزمة اقتصادية؛ إنه اختبار شامل لقدرة الدولة على إدارة التدهور الاجتماعي قبل أن يتحول إلى أزمة سياسية مفتوحة. الغلاء كسر جدار الصبر، وانهيار العملة قوّض الثقة، والشارع بات لاعباً مركزياً في المعادلة. أي مقاربة مستقبلية، داخلية أو خارجية، يجب أن تنطلق من فهم أن الاستقرار في إيران بات رهينة الاقتصاد، وليس العكس.
2026 © مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث CSRGULF
المراحع:
















